الشيخ محمد الصادقي
158
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » أن هذه الأسباب والحياطات في ترتيبها لا يغني عن أصحابها من اللّه من شيء ف « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » وأن دخولهم هكذا قضى حاجة في نفس يعقوب ، وأن يعقوب « لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ » من طريقة لقضاء حاجته . واحتمال آخر هو الآخر ، أن دخولهم كما أمر ما كان يغني إلّا حاجة في نفس يعقوب قضاها دون أن يعلم ، فقد قدم حيطة لرجوع ابنه ما لم يقضه ، بل قضى حاجته الأصيلة دون أن يعلم ، « وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ . . » إذا يعني ان أمره أيّا كان كان عن تعليم إلهي مهما لم يعلم أن النتيجة هي حصول أصل الحاجة . وهذه من الرحمات الخفية الإلهية أنه قد يبتلي عباده الصالحين بما ظاهره العذاب ولكن باطنه من قبله الرحمة ، يطلب أمرا ويدعو له ويقدم للحصول عليه كل إمكانياته ، ويقضي اللّه له أمرا آخر دونه وهو حاجة أصلية ، وما تطلّبه بالنسبة لها كمقدمة من حيث هو لا يعلمها . وهنا ندرس ألّا مغني عن الإنسان أيا كان من اللّه من شيء في الأسباب التي يتوسل بها ، حيث الإذن تكوينا في كل خير أو شر انما هو من اللّه ف « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » دون أية علة أو أسباب ، فهو تمام العلل ومتممها ، كما هو خالقها ومعلّلها ، دون ان يكون هناك جبر كما لا تفويض ، وانما امر بين أمرين . كما وندرس ان على الإنسان تقديم كافة المحاولات والإمكانيات والحائطات للوصول إلى مرامه ومرامه دون استقلالية فيها ولا اتكالية عليها ولا على اللّه بترك الأسباب ، اللهم إلّا فيما لا حول له ولا قوة فالدعاء من اللّه والاستدعاء . وأخيرا ندرس من « لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ » أن الحائطة في قضاء الحاجة ، لا سيما الملتوية الخطرة ، أن تؤتى من أبواب متفرقة ، فان سدّت باب أو أبواب ، فهنالك أبواب أخرى أو باب . وهذه الحائطة الحكيمة تحلّق على كافة المتطلبات الهامة سلبا وإيجابا ، فالذي عنده نقود يخاف عليها ، عليه أن يحافظ عليها في مكانات متفرقة ،